طريق ثقافي

حرب الإبادة.. الإستشراق والمركزية الغربية

علي حسن الفواز

قد يكون قتل الذاكرة من أكثر انواع الابادة بشاعة ورعبا، لأنه يعني المحو والحذف القهري، وابادة الوجود في الهوية واللغة والمكان، مقابل اصطناع سرديات طاردة يقوم جوهرها على تكريس علاقة العنف والعدوان والكراهية بخطاب الابادة، ووضع التاريخ تحت مبضع جراحين قساة وليس مؤرخين لهم مزاج الشعراء أو الروائيين.

فما حدث خلال العقد الأخير كان ممارسة على تمرين غسل الذاكرة بالتيزاب، ووضع الاجيال الجديدة امام واقع تُقسره سرديات الآخر، على نحوٍ يجعل من حرب الابادة نظيرا لاصطناع تاريخ “متخيّل” يقوم على تحويل السردية الفلسطينية إلى لعبة انثربولوجية، تغيب فيها الهوية والذات والارض، ولا يحضر فيها سوى الطقوس والملابس والغناء والطعام، حيث الطابع المهرجاني وليس الوجودي، وحيث اللغة التي تغرق في المثيولوجيا، ولا استعمال حقيقي لها في توثيق الأرخنة، وفي صيانة الذاكرة وبيوت الوراقين.
إنّ الوعي الجمعي للشعب سيتحول الى “وعي شقي” مطرود من التاريخ، وعالق باللغة – الشعر والرواية والدين- بوصفهما مجالات تتسع للتطهير والتخيل، ولإبقاء “الرواية الوطنية” حاضرة في سياقها الرمزي.
حفظ الذاكرة وصيانتها رهانٌ على الوجود، وعلى تحويل السرديات الوطنية الى قوة معرفية خلاقة للبقاء في التاريخ، فلا تاريخ خارج صناعة السرديات، وحتى حرب الوثائق والمدونات تأخذ قيمتها الرمزية من خلال سياق وجودها في رهانات السرد، وبالشكل الذي يجعل من كتاباتها وعي فائقا بالوجود، وبجعل مقاومة المحو ممارسة في تغذية النضال الانساني والاخلاقي من اجل الوجود، لا سيما وأن حروب الابادة التي صنعت ظروفها نعقيدات تاريخية، ارتبطت بالاستعمار والتبشير والعنصرية وسوق العمل والثروات، مثلما ارتبطت بمثالية “الانسان الأبيض” وبثنائيات العبد والسيد، والشيخ والمريد، والتابع والمتبوع وغيرها، والتي حولت “حروب الابادة” الى حروب مقدسة، والى سياسات دخلت في سياق تمجيد فكرة البطل المخلص/ البطل الروماني من “البربري” وبالاتجاه الذي جعل من “خطاب الالهة” في الاساطير اليونانية قائما على اساس فرضية القوة التي تكرّس هوية ذلك البطل، وتعاقب المتمرد، وسارق الحكمة/ النار بعقوبات طاردة، وتعرضه الى ابادات شتى.
إنّ وهذا ما فعلته جماعات التطهير العرقي والتبشير الديني مع شعوب اميركا الشمالية واميركا الجنوبية، ومع شعوب الهند والصين وجنوب شرق آسيا، لكن الأخر والأكثر بشاعة كان في حرب الابادة الفلسطينية التي ظهرت بعد الخلاص الرسمي من الاستعمارات، وبدء مرحلة نشوء الدول الوطنية، فكان الكيان الاسرائيلي هو الأنموذج الاستعادي لحرب الابادة من جانب، ولوضع الشرق القديم امام “متخيل تاريخي” افتراضي لشرق جديد يقبل بسياسات محو ذاكرته، وحذف عناصر مهمة من تاريخه.

الإبادة.. النقد والاستشراق
حديث الابادة، أو المقاربة الثقافية لمفهوم الابادة يتطلب اجرءات نقدية، تبدأ من فحص المفهوم بوصفه الاخلاقي والحقوقي، وليس انتهاء بوصفه جزءا من القهر الاجتماعي الذي تمارسه المركزيات الكبرى، مركزية الامبريالية، والصهيونية، وسلطوية الايديولوجيا والمعسكر والعصاب..
ولعل من اخطر مظاهر تغييب هذا المفهوم يتمثل بعزل “ابادة المكان” عن الابادات الاخرى التي تخص الجماعة والهوية، إذ إن تغيير جنس المكان ومرجعياته التاريخية، سيجعل ذلك المكان عرضة ل” الغزو” ولاشباع جماعات تجعل من الاستيلاء والاستملاك نزعات محمية، وبالتالي اخراجها من توصيف الابادة..
ماجرى في “ غز ة” أو ما يجري في السودان، أو حتى في جنوب لبنان” يؤكد الطابع الاشكالي لتداول مفهوم الابادة، وهو ما يعني ضورة ممارسة النقد أو وضع خطاب هذا النقد في سياق السياسات التي تعتمدها الأمم المتحدة، ومنظماتها الحقوقية، وعلى اساس تحديد المعايير التي يمكن اعتمادها في تقييم حروب الابادة، لاسيما وأن المكان العربي يتعرض الان الى حرب رمادية في الابادة، عبر اصطناع الحروب الاهلية، واصطناع الهويات “القاتلة والمقتولة” وباتجاه تحويل العزل الطوبوغرافي، الى تغيير ديموغرافي، تتقوض معه بنيات المكان، وسماته وهوياته.
العنف الثقافي، والعنف الهوياتي، والعنف العنصري، والعنف الايديولوجي من اكثر مظاهر العنف العمومي الذي يشكل “عتبات” لتسويغ الحديث عن الابادة، لأن هذه الابادة هي عنف قصدي تديره جماعات أو دول أو قوى لها مرجعيات سياسية وطائفية وايديولوجية، ولعل ما حدث من جرائم ابادة قامت بها جماعات داعش التكفيرية، وتداعيات الصراع الطائفي في العراق من اكثر الامثلة دلالة على التوحش العنصري في ابادة المكان كرمزية لابادة الكائن..
كما أن تصريحات الرئيس ترامب حول غزة تدخل في هذا السياق بوصفها اعلانا عن فكرة ابادة المكان، ونزعه عن سياقه التاريخي، وترحيله الى سياق آخر، تخضع فيه الجماعات الى اجراءات عنفية ومؤدلجة أو عابرة، تغير عنها وظائف الاشباع والتأسيس الديموغرافي، وبما يجعل نزع الوجود مقابلا متعسفا لنزع الهوية، و أن تعرية المكان من ذاته البشرية سيجعله مكانا عائما، لا سلطة له، ولا ذاكرة له، وأحسب أن ابادة الذاكرة، ستعني في هذا السياق نقل الشعوب المبادة من الواقع والتاريخ الى الاساطير، والى سير الحكايات الشعبوية.
لعب الاستشراق دورا خطيرا في الترويج لحكاية الابادة، عبر تشظية الجماعات، وتحويل التاريخ الى خطاب ايديولوجي، يقوم على اساس “تدمير تدمير الممتلكات الثقافية والتراث المادي وغير المادي، واستهداف الآثار الملموسة والوثائق والمخطوطات والكتب وجميع أشكال الإنتاج الثقافي، وقتل الكفاءات الأكاديمية والعلمية وذوي الخبرات الثقافية” وعلى نحو يضع الابادة الثقافية في سياق تدمير التنوع والتعدد، وتغويل مركزية القوة الغربية، على اساس قوة خطابها، وقوة مؤسساتها ونظامها الاعلامي والتوثيقي والتعليمي، حيث تفتقر مؤسساتنا الاكاديمية الى منهجية فاعلة في التعاطي مع مباحث الابادات الجماعية، ومنها الابادة الثقافية، ومع تنمية التوجهات التي تدخل في السيطرة على فضاءات انتاج الافكار والبيانات والسياسات، بدءا من المؤسسات التعليمية والحقوقية، وانتهاء بالمنظمات الدولية، حيث تخضع الى ازدواجية المواقف، في التعاطي مع الاسباب المسؤولية عن انتاج مظاهر تلك الابادات، ولعل آخرها قرار الرئيس الاميركي ترامب بالانسحاب من منظمة حقوق الانسان الدولية، لأنها ادانت اسرائيل متهمة اياها بارتكاب جرائم ابادة بحق الفلسطينيين.

الرواية والحكاية وفلسطين
لا يعني تدوين السيرة الفلسطينية سوى محاولة لاصطناع شكل للبقاء الثقافي، ولإعطاء سردياتها الحق في كتابة تاريخها، حيث تقوم منهجية مواجهة “مركزية الابادة” على انعاش فكرة الوجود الثقافي والانساني في الأرض، وفي اللغة، وحتى في الاسطورة، فهذا الثلاثي هو الجوهر الذي يُغذّي قوة السرد، وسر فاعليته في جعل “التخيل السردي” مجالا لتواصل صناعة الحكايات، فالحكاية هي الوجه الآخر للسيرة، ولإشباع الوجدان بكثير من الرمزيات الحافظة لفكرة البقاء، والدالة على وجود “نوابت” في المكان/ الأثر، وفي اللغة والعادات، وكل المنظومة التي تدخل في سياق انثربولوجية الكائن والمكان.
ما تعرض له المكان الفلسطيني يبدأ في مرحلة ما قبل نشوء الكيان، من خلال متلازمة الاسطورة والتخيل والمقدس الذي روّج له “المخيال الاسرائيلي/ التلمودي” فكان البحث عن اسطورة هو الرهان على صناعة القوة في مكان تخلى فيه الجميع عن اساطيرهم، واصطنعوا لهم فاعليات رمزية للتاريخ والسلطة، وللجماعة، وهو ما اعطى توصيفا “ميتافيزيقيا” لمفهوم المركزية، من خلال الاستعانة بمركزية النص، والمقدس، واحسب أن تاريخ الحروب الصليبية، كان اول صدمة لتقويض المركز العربي في فلسطين، مثلما تلته صدمات أخرى، بدأت مع حركات التبشير والاستعمار والاستشراق، وحتى الدور الغامض للسلطة للسلطنة العثمانية في اواخر حكمها، إذ اسهم تفكك الدولة العثمانية في إحداث شروخ دفع بريطانيا وفرنسا الى لعب دور في الترويج لفكرة الاستيطان تحت يافطة العودة الى اسطورة المكان والمقدس
اكتسبت علاقة الاستشراق بالمكان الفلسطيني بعدا معقدا، إذ تعامل معها من منطلق “لاهويتي” وليس معرفيا، واعطى للاسطورة مرجعية فرضت نفسها على التاريخ والايديولوجيا وعلى المكان، في سياق التعاطي مع مفهوم الشرق الذي جعل من “الاستشراق” مجالا للتخيل ولتكريس مفهوم المركزية، وهو ما دفع ادورد سعيد الى مواجهة هذا الاستشراق بعين نقدية، والى فضح اهدافه وسياساته، وعلاقته بالمشروع الاستعماري، وبالسياسات الكبرى التي ارتبطت ب”وعد بلفور” وتوسيع الهجرات الى فلسطين، والى دفع “البرجوازية الأوربية” التي نمت في القرن التاسع عشر الى دعم توجهات الرأسمالية في الشرق، والى جعل “هجرة اليهود الى فلسطين” نوعا من التهجير المقدس، فضلا عن علاقته بترحيل حركة رأس مال الجماعات اليهودية، وخلق بؤر استيطانية لها قوة مالية كبيرة، اسهمت في الترويج لاسطورة العودة الى “ارض الميعاد”
شرعنت هذه السياسات في تمثيلها الاقتصادي والايديولوجي والاسطوري فكرة “ابادة” تاريخ الآخر وتعويمه، وصولا الى “ابادة الذاكرة” واخراجهما من السيرة والتاريخ.
تحول فكرة الاستيطان الى “وطن اسطوري” ليست بعيدة عن الازمات العميقة في الواقع العربي، ولا عن التفكك الذي وجد العرب انفسهم في ارهابات، الاقتصادية والسياسية والثقافية، من خلال علاقة هذا التفكك بتداعيات “موت الدولة العثمانية” مع صعود الاستعمار الغربي، وتطبيق التقسيم في معاهدة “سايكس بيكو” على الأرض، مع اخراج فلسطين من حق الاعتراف بها كدولة، حيث اسهم تغييبها وتجريدها من الحق الوجودي الى بدء المراحل الأولى في مظاهر القتل العنصري عام 1936 وصولا الى احتلالها عام 1948 ونشوء الابادة كظاهرة للسيطرة على الارض من خلال مشروع الكيان الصهيوني، حيث تحولت صورة النشوء القهري/ الاستيطاني الى واحدة من اكثر صور الإبادات المعقدة في التاريخ المعاصر، والمقرونة بابادة بشرية مع ابادة الأرض والذاكرة.
مفهوم الابادة ليس بعيدا عن مفهوم المركزية الغرب ـ اميركية، وأن كثيرا من اطروحات الاستشراق تدخل في سياق تداولية الافكار التي تصنع تلك المركزية، عبر التاريخ والخطاب والايديولوجيا، فمع نشوء الكيان الصهيوني اخذ مفهوم الاستشراق مجالا أكثر تغولا، على مستوى صناعة الرعب والتغييب، أو على مستوى تكريس الاسطورة الاستيطانية، والعمل على تحويل الآخر الفلسطيني الى كائن مثيولوجي، محذوف من الأرض، ومن الذاكرة، فضلا عن مستوى الدعوة الى العنف بأشكاله المتعددة المادية واللغوية والهوياتية والسياسية، والذي اسهم في انتاج كثير من سرديات الهيمنة والقمع، وعلى نحو جعل مستشرق ماكر مثل برنارد لويس يراهن على موت القضية الفلسطينية، وعلى اخراج الشعب من فلسطين عبر ابادة المكان والذاكرة، وعبر تسويغ العنف الشامل بوصفه مجالا لفرض فكرة الابادة.

Facebook
LinkedIn
X
Facebook

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى