د. نادية هناوي

العامية ظاهرة من الظواهر الفنية في الأدب، وهي لا تقتصر على جنس من الأجناس الأدبية كما لا تتحدد بغرض من الأغراض. بيد أن لها مع الشعر تلازما حميميا منذ القدم، وبدرجات تتفاوت في قوتها تبعا لطبيعة المؤثرات الموضوعية ومدى الوعي بجماليات اللفظ العامي داخل القصيدة العربية الفصيحة.
والمتمعن في تاريخ هذه الظاهرة يجد أنها ازدادت حضورا وبشكل قوي مع انطلاق حركة الحداثة الشعرية في العالم العربي، وبخاصة في بلدان العراق ومصر ولبنان والخليج والمغرب والسودان. بيد أن اللافت للانتباه أيضا أن هذه الظاهرة على سعة انتشارها بقيت محصورة في نطاق كل بلد على حدة، ولم تتوحد فتحصد لنفسها اتجاها أو تيارا فنيا خاصا بها في الشعرية العربية. وثمة أسباب ساعدت في ذلك ومن ثم حالت دون أن تأخذ هذه الظاهرة ما تستحقه من اهتمام نقدي، منها أن النظر إليها انحصر بالمجمل في حدود الدفاع عن اللغة العربية الفصحى، وصار أي حديث عنها مقرونا بما للفصحى من هيمنة. وبهذا تحجَّمت الظاهرة وغدا الحديث عن العامية مجرد أداة فنية من أدوات التعبير الشعري. صحيح أن العامية أداة، غير أن لها جماليات أخر، نصَّ عليها أرسطو، وهي أن الشعر يكون واضحا كل الوضوح إذا تألف من ألفاظ دارجة ويكون نبيلا إذا استخدم في ثنايا المأساة ألفاظا دخيلة أو كلمات أعجمية لكن من دون إفراط. وبيَّن أن ما يرتفع بالقول الشعري إلى ما فوق المعتاد، ويجعل المحتمل Eixos خلافا لكل احتمال هو استبدال الشاعر (بالألفاظ الغريبة أسماء دارجة)
(فن الشعر، ص 62).
ولا يصبُّ توظيف العامية ـ أيا كانت لفظا أو تركيبا ـ خارج فصاحة القصيدة كما يتصور للوهلة الأولى، بل هو يعزز الفصاحة. ويعمل الفصيح على جعل العامي شاعريا وقد يفصِّحه أي يجعله فصيحا، ولا غرابة في ذلك لأن الجذور مشتركة وقوية بين العامية والفصحى.
وقد يقال أن دانتي في رائعته “الكوميديا الإلهية” وكتابه “بلاغة العامية” استطاع أن يجعل العامية هي لغة الايطاليين الرسمية وكذلك لغة الكتابة الأدبية. ومن ثم سار الأدباء من بعد دانتي على النهج ذاته مثل بوكايشو وبترارك. ونردُّ بأن اللغة العربية ليست مثل اللغة اللاتينية التي هي من اللغات الهجينة ولذلك تحجرت واندثرت بسبب التطور في اللغات العامية المنطوق بها في اللسان الأوروبي حتى صارت كل لهجة عامية لغة قائمة بذاتها. والى اليوم لم تعرف هذه اللغات استقرارا في النحو او الصرف لأنها هجينة، وسرعان ما تصبح كلاسيكية ثم بالتدريج تذوي تماما، خذ مثلا انجليزية شكسبير أو انجليزية الأدب البريطاني المعاصر مقارنة بإنجليزية اللسان الأمريكي الذي هو من الشيوع ما سيعمل على تغييب الانجليزية البريطانية، ولو بعد حين.
أما اللغة العربية، فإن لها قدرتها على التجدد زمانيا ومكانيا وباستمرار، ما يجعلها لغة حية ونظاما من الرموز والعلامات والإشارات، تتعايش مع العامية وما من خطر يهدد حيويتها.
وهذا ما يعيه الشاعر العربي وهو يطعِّم لغته الفصحى بالعامية أو وهو يميل إلى كتابة قصيدته كاملة بالعامية، مدركا أن الجذر اللغوي واحد، وأن اللسان العامي ما تبلور إلا بتأثير خصائص اللغة العربية نفسها والتي تسمح بالتطويع العامي ما يجعل الفصيح قريبا من المفصَّح، ويغدو العامي غير بعيد حينا وقريبا حينا آخر من الفصيح. وفي كلا الحالين، يتقرَّب القول الشعري- في بعده التعبيري- من عامة الجمهور.
وهذا أمر ليس بالجديد، بل عرفه الشعر العربي على مرِّ العصور القديمة منها والحديثة، ولم يشكل ذلك خطرا أو تهديدا للغة الفصحى. اذ ليس القصد منه استبدال الفصحى بالعامية أو تعمد إشاعة اللحن على الألسن، بل القصد هو تيسير توصيل الشعر إلى الجمهور وتسهيل عملية تلقيه. خصوصا وأن للسان العامي جمالياته الخاصة، حددها الجاحظ بالذلاقة والألفاظ الحسنة والعبارة الجيدة. وهذا ما يغري الشاعر بتوظيف اللغة المحكية على ما فيها من لفظ ملحون ودخيل. واليوم يتكلم اللسان العربي عاميات كثيرة ومختلفة تصل إلى أكثر من أربع وعشرين، ومع ذلك تبقى اللغة الفصحى هي الرابط الجامع بين هذه العاميات من دون أي توجيه رسمي بذلك. بمعنى أن انحصار العامية داخل نطاقها المحلي، يجعل اللغة الفصحى قادرة وحدها على أن تكون رابطا من روابط الكيان العربي الواحد. وما نَعت القرآن الكريم اللسان العربي بالمبين، إلا بسبب فصاحته فهو يوضح المراد في أقل الألفاظ وأيسرها. وهذا ما انعكس على العامية، خذ أي تعبير استعاري عامي، فستجده يميل إلى إيجاز المعنى الكثير في اللفظ القليل، المؤلف من الكلمتين والثلاث. حتى إذا أردت أن تنقله إلى لغة أخرى كالانجليزية مثلا فستحتاج خمس كلمات وربما سطرا، كي تعبر عن مضمون ذلك التعبير.
لطالما امتدح العرب الإيجاز في التوصيل وعدوه دليلا من دلائل الفصاحة والبلاغة. ناهيك عن حقيقة ما في التعابير العامية والأمثال من ترابط جذري باللغة الفصحى. ولقد وظّف السياب في شعره أكثر من مفردة أو تعبير عامي، وفصَّح في قصيدته “المومس العمياء” جملة من أغنية عراقية فلكلورية فقال “نامت عيون الناس ، فمن لقلبي كي ينيمه”.
بيد أن الشاعر الذي جعل من هذا التوظيف ظاهرة فنية، هو مظفر النواب الذي كتب ديوانه “الريل وحمد” بالعامية كما كان يجيد استعمال أوزان الشعر العامي في القصيدة المكتوبة بالفصحى. وكتبت الشاعرة لميعة عباس عمارة أطوار الشعر العامي مثل الابوذية والدارمي والزهيري. وعرف كل من بيرم التونسي وعبد الرحمن الابنودي وفؤاد محمد نجم وسعيد عقل وجوزيف حرب وعبد الله الفيصل ومحجوب شريف ببراعتهم في كتابة قصيدة التفعيلة بالعامية المحكية. واتسمت غالبية قصائدهم بالنزعة السردية والمفارقة الساخرة وتبسيط التعبير، هذا على المستوى الفني. أما على المستوى الموضوعي، فإن السمة الأكثر وضوحا فيها هي تمثلها الحس الوطني والقومي في نقد السلطات ومعارضة سياساتها. وتتعدد الأغراض من وراء توظيف العامية في الشعر، منها الهجاء السياسي وهو ما عُرف به الشاعر المصري عبد الرحمن الابنودي “لسه ما شبعتش مشاهدة؟ يا قمر حالك كحالي/ ضيعونا بالمعاهدة”، وكذلك الشاعر السوداني محجوب شريف “ديمقراطية عمود النور/ ولما تغطي حقول القمح/ الأرض البور/ والمكنة تدور/ وترفع صوتك يا مقهور/ وبينا وبين العالم سد/ ينهد/ وسور”، ومن الأغراض أيضا الإثارة والنقد الساخر كما في شعر محمد فؤاد نجم ومنها قصيدته الذائعة “كلب الست”، أما النقد الاجتماعي والسياسي وإلهاب الحماسة الشعبية فغرض مهم وعريض في شعر مظفر النواب وسعيد عقل. وعُرف الشاعر موفق محمد بالكوميديا السوداء في تصوير الواقع تصويرا لاذعا (قالها أخٌ لم يفارق طولته منذ العهد الملكي: أنا أفكر إذن أنا ديخ) كما كان معروفا برومانسيته الشفيفة المتسمة بوضوح الصور وقرب المجازات من الذهنية الشعبية “يحلو الطول يسمر يا غزالي/ يمن بالكون غيرك ما حلا لي/ إذا صفيت بالك صفه بالي/ بعد ما أعرف عمامي من خوالي” وله ديوان يجمع الفصيح بالعامي، بناه على طريقة ميلودية، تتناص مع أغنية عراقية شعبية مشهورة لسعدي الحلي”روحي معلقة بيك”.
ويلاقي شعر موفق محمد إقبالا جماهيريا منقطع النظير بسبب البراعة الفنية في تطعيم القصيدة الفصيحة بمفردات عامية فتذيع بسرعة، محكية على ألسنة العامة “دلل لول يالنهر دلل لول/ فيغفو من خمر في بحتها/ وترضعنا من نعاسه فننام”. وهذا يعني أن توظيف العامية لم يكن عن شعور بتلكؤ العربية الفصحى في التعبير، وإنما هي الرغبة في توسيع رقعة التوصيل بشكل عفوي يعكس نبض الشارع.
وبهذا تكون العامية في الشعر العربي المعاصر سمة من سمات حداثة القصيدة العربية، وبها استطاعت النزول من برجها العاجي لتكون متداولة بعمومية وقريبة من نفوس الجماهير. وليس في هذا دعوة إلى جعل العامية تهيمن على القصيدة العربية، وإنما هو تشخيص فني يعكس ما في المفردات والأمثال والأشعار العامية من طاقة ايحائية ونصاعة واقعية وروحية أدائية، معها تنتعش عملية التوصيل الشعري. فاللهجة العامية فيها من البساطة والطفولية ما لا تعرف معه الاصطناع والتعقيد.
وبسبب ذلك تحولت قصائد شعراء الحداثة العاميين إلى أغان شعبية وأهازيج حماسية تتغنى بها الجماهير الثائرة وقت الأهوال وحين تشتد الخطوب كما في هذه الأبيات لمظفر النواب التي تحولت اليوم إلى شعارات تطلق في الثورات والانتفاضات “يصويحب وحك الدم، ودمك حار/ من بعدك مناجل غيظ ايحصدن نار/ شيل بيارغ الدم فوط يلساعي/ صويحب من يموت المنجل يداعي”.
من المؤسف أن النقد العربي حصر البحث في ظاهرة توظيف العامية في الشعر المعاصر في نطاق البحث عن التقارب أو التباعد بين النظام التركيبي للعامية والنظام التركيبي للغة الفصحى. واعتمد على منهجيتي التحليل الوصفي والمقارنة الدلالية في دراسة مواطن الاتفاق أو الاختلاف بين معاني المفردات العامية والمفردات الفصيحة. وبسبب ذلك لم يسع نحو تأكيد البعد الوحدوي للهوية العربية في القصيدة المكتوبة بالعامية والمفصحة أو التي هي فصيحة.