خالد خضير الصالحي

1
“لا أستطيع تخليص نفسي من الشعور بأني لست في المكان المناسب.. ” (كافكا)
2
اقام معهد غوته الالماني بالتعاون مع جمعية التشكيليين فرع بابل، وبمناسبة مئوية رحيل كافكا، معرض (كافكا برؤية تشكيلية) الذي افتتح في بغداد بتاريخ 8 -11-2024، وشارك فيه: أياد الزبيدي، جنان محمد، د. حيدر رؤوف، حسن فالح، حامد سعيد.
3

جنان محمد.. الغاء (مسافة) التلقي
ان (مسافة) التلقي هي المسافة (الضرورية) بين المتلقي وبين العمل الفني، وكثيرا ما اعتبرت واحدةً من ضروريات التلقي؛ لأنها تتيح افضل مسافة للتلقي، فينتج الغاؤها أحياءً للـ(ملمسية) التي وقتها تأخذ دورا غير معتاد، ومهما وكبيرا في عملية التلقي، فيتم تفعيل أصابع اليدين إلى أقصى مديات فاعليتها لتتلامس مع كتلة المنحوتة، بل وقد تتفعّل ملمسية كامل الجسد نتيجة تهيئته لهذا النمط الضروري برأينا في تلقي المنحوتات التي تتطلب تلامسا ضروريا بين جسد المنحوتة وجسدنا، فهل يشهد الرسم نمطا كهذا من فاعلية التلقي (الملمسي)؟ وهو الناتج عن الغاء المسافة بين العين وبين الـ(figure)، وهو ما فعلته الفنانة الرسامة الدكتورة جنان محمد في أعمالها الاخيرة التي عرضتها في معرض (كافكا برؤية تشكيلية)، واقامه معهد غوته الالماني بالتعاون مع جمعية التشكيليين فرع بابل بمناسبة مئوية رحيل كافكا، وافتتح في بغداد بتاريخ 8 -11-2024، وشارك فيه إضافة الى جنان محمد: أياد الزبيدي، د. حيدر رؤوف، حسن فالح، حامد سعيد.
قدمت جنان محمد اعمالا تشهد نمطا من إلغاء المسافة بين العمل الفني والمتلقي؛ فاللقطة المقربة للـ(figure) تحقق متغيرات أساسية في عملية التلقي هما: فاعلية التفاصيل، وفاعلية التكسجر، وحذفا لتفاصيل المكان المحيطة بالشكل، بل وإلغاء لتفاصيل الـ(figure) الذي فقد سماته الشخصية؛ فيبدو وجهه مساحة لوني مسطحة، ويبدو جسده كتلة نحتية مرسومة، سيضطلع المتلقي بمهمة ملئها بالتعبير الضروري لوجود الصورة.
أجد ان تكثيف المسافة الفاصلة بين العمل الفني والمتلقي فجَّرَ تعبيرية الاعمال وجعل عملية التلقي مشبعة بالحميمية.
4

حسن فالح.. يتفق مع كافكا بواحد من متجهيه
يبني حسن فالح تجربته في الرسم من متجهين متكاملين وان بدوا (متعارضين) هما: الالتجاء الى الطبيعة، والاتجاه الى الداخل الإنساني؛ فحينما يتجه الى الداخل، كما كان محمد مهر الدين مكرسا تجربته في النصف الأول من حياته، كان حسن فالح “يقتطعَ جزءاً من وحشيّة مشغله: مشغل السجن، المحو، الحذف، التعذيب، بألوانه الشحيحة، بحركة الجسد المتوترة، الفرد المسحول باتجاه الرفع باتجاه السقف.. فكان يشحّ باللون كي ينطق، يشحّ بالجسد المحذوف كي يُشهر، بأعلى درجات التقنية، ينظرُ للمشهد البشريّ بغضب، ويرسمه كما يجب، بلا تزويق ولا استعارات” (علي وجيه)، وحين كان يشتغل باتجاه الطبيعة فكان وكأنه يحاول ترتيق الشحة اللونية ليستعيد طزاجة الألوان واشعاعها، وكانها انتماء لـ”أسلافه الملوّنين بخبرتهم التي لا تضاهى: أساتذة أكاديميين تتلمذ على باليتاتهم كثيفة الألوان، وانطباعيين مهووسين بتدفقات الألوان، وتفاعلاتها، وبشغف، ما بعده شغف، في صهرها في موسيقى تصدح على هواها” ان حسن فالح بدأ يتخذ ما يسميه هاشم تايه (فكرة خاصّة عن الرّسم) تقف موقفا وسطا بين المشخص والمجرد، بين اللون المشع الانطباعي وبين اللون الأقرب الى الأكاسيد الرصاصية، بين التخطيطات المتفوقة تقنيا التي كان ينجزها لاهداف دراسية وبين اللوحة بلونها الملموس، وبين عالم تتعرض كل عناصره للتآكل التدريجي: بشرا والوانا وامكنة يصفها هاشم تايه “مرثيات لونيّة للمنزل القديم في زقاقه الأليف الذي غادره الزمن الطفوليّ”..
حيثما يتجه حسن فالح الى الخارج فهو يشتغل بتقنية الحذف، فكان المتجهان وكأنهما يرتق أحدهما الاخر، ويكمل (نواقصـ)ـه؛ لتجتمع تلك التجربة كل عناصر نجاحها.
5

حيدر الطاهر.. التهجين الاجناسي
تجمع اعمال كلا الفنانين: اياد الزبيدي وحيدر الطاهر باستراتيجين متناقضين معا، فتتسم اعمال حيدر الطاهر بمتناقضين هما: التنوع الإجناسي حتى تتمالك المتلقي الحيرة في تجنيس الأعمال المعروضة بين النحت والخزف والرسم؛ لأنها معروضات مجسمة وملونة في الوقت ذاته.. فكان (الرسامنحاتخزاف) حيدر الطاهر ينوع أحيانا بالتزجيج في أماكن، وفي أماكن يفرض اللون عتمته أحيانا واحيانا تأخذ الاكاسيد الملونه فعلها مع بعض التزجيج المطفأ غير اللماع.. وكلها تلمح الى أجواء من الألم الوجودي وربما الخيبة حينما يظهر الخوص كابطال للاعمال..
6
اياد الزبيدي.. التقليل اللوني والاسراف التفاصيل التخطيطي
يتسم منجز إياد الزبيدي بالتقليل اللوني إلى أدنى مستوياته حتى تتحول الى عمل تخطيطي باللون الاسود، بينما يتصف الوجود التخطيطي بالإسراف في التفاصيل من اجل ملء المساحات البيضاء بموتيفات تعود في مرجعيتها الى الفن الرافديني القديم.. وجود لوني مطعّم ببقع لونية غالبا ما تكون باللون الاحمر، وغالبا ما تتناول موضوعاتها الهموم الوجودية..
يخلق اياد الزبيدي نظاما زخرفيا، يؤسسُه من منظومتين: منظومة خطية وأخرى لونية، متجاورتان، ومتواشجتان معا؛ ليستوعبا مدينته (يوتوبياه) التي تتخلق على سطح اللوحة؛ فتنطوي على: ناسها، وبيوتها، وكائناتها، عبر نظام تتوالد فيه الصور، والعلامات من بعضها، كما تتوالد عناصر النظام الزخرفي بعضها من بعض؛ فتتسع بشكل لا حدود له، وبذلك كان الفنان يخلق مدينة من عناصر لونية تحدها خطوط سوداء تعطيها صفتين متناقضتين معا، فتجدها متصلة ومنفصلة في الوقت نفسه، وهي قادرة على الاتساع بإضافة مختلف العلامات الهندسية، والاشارات الخطية، والايقونات، حيث يجري المتلقي عملية تعاشق ضرورية بين تلك العلامات لتتخلق مدينة يشكلها المتلقي في ذهنه هو، ولكن من خلال المادة التي قدمها الرسام للمتلقي في اللوحة..
7
كتبت نبراس هاشم:
“استذكر المعهد الألماني في بغداد (گوته أو غوته) المئوية التي تمر على وفاة الجميل الرقيق العميق برسائله وإنسانيته المميزة الشاعر والكاتب والمفكر كما اسميه دائماً فرانز كافكا.. على احدى قاعات دار المدى.. ككل عام يستذكر معهد غوته هذا اليوم ولكن هذه السنة المئوية المميزة في تقديمها من خلال الهمسة الفنية الرقيقة العميقة التي قدمت من قبل خمسة فنانين تتسلل جمال بصمتهم وعمق وجودهم في الوسط التشكيلي قبل وجودهم المادي.. حين اتخذ كل شخص منهم بعض المفردات والنصوص المعبرة حين خطها هذا المفكر العميق وبدأ كل منهم يستشهد بالون والخط على سطوح مختلفة بين القماشة الورق والطين والخامات المختلفة”.





